المجلس التدبّري لـ سورة الأعراف (8️⃣)
يوم الاثنين ؛- بتاريخ : ٢٣- رجب - ١٤٤٧ هجري
📝تفسير الآيات من آية (١٥٧) إلى آيـة (١٧٠)
🎈بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 🎈
✏️{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [١٥٧]
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ " احتراز عن سائر الأنبياء, فإن المقصود بهذا, نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
*والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم, شرط في دخولهم في الإيمان, وأن المؤمنين به, المتبعين, هم أهل الرحمة المطلقة, التي كتبها اللّه لهم.
*ووصفه بالأمي, لأنه من العرب, الأمة الأمية, التي لا تقرأ ولا تكتب, وليس عندها قبل القرآن كتاب.
" الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " باسمه وصفته, التي من أعظمها وأجلها, ما يدعو إليه, وينهى عنه.
وأنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.
فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك،
وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك باللّه، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.
فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ من المطاعم والمشارب، والمناكح.
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ-أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ- أي: عظموه وبجلوه
وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنـزلَ مَعَهُ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات،
، أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الظافرون بخير الدنيا والآخرة،.
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنـزل معه، فأولئك هم الخاسرون. وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي, ويعزره, وينصره, ولم يتبع النور الذي أنزل معه, فأولئك هم الخاسرون.
ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل, إلى اتباعه, وكان ربما توهم متوهم, أن الحكم مقصور عليهم, أتى بما يدل على العموم فقال:
✏️{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [١٥٨]
"
" قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ": عربيكم, وعجميكم, أهل الكتاب فيكم, وغيرهم.
" الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "
يتصرف فيها بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية, وبأحكامه الشرعية الدينية, التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما.
يدعوكم إلى اللّه, وإلى دار كرامته. ويحذركم من كل ما يباعدكم منه, ومن دار كرامته. " لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ": لا معبود بحق, إلا اللّه وحده لا شريك له,
. " يُحْيِي وَيُمِيتُ ": من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة, التي لا يشاركه فيها أحد. وقد جعل اللّه الموت, جسرا, ومعبرا, يعبر الإنسان منه إلى دار البقاء, التي من آمن بها, صدق الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم, قطعا. " فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ " إيمانا في القلب, متضمنا لأعمال القلوب والجوارح. " الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ " ,: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده, وأعماله. " وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " في مصالحكم الدينية والدنيوية, فإنكم إذا لم تتبعوه, ضللتم ضلالا بعيدا.
✏️{وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [١٥٩]
ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "
" وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ : جماعة " يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ " أي: يهدون الناس في تعليمهم إياهم, وفتواهم لهم, ويعدلون به في الحكم بينهم, في قضاياهم,
كما قال تعالى " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ " .
📌 وفي هذا فضيلة لأمة موسى, عليه الصلاة والسلام, وأن اللّه تعالى, جعل منهم هداة يهدون بأمره.
*وكان الإتيان بهذه الآية الكريمة, فيه نوع احتراز مما تقدم. فإنه تعالى, ذكر فيما تقدم, جملة من معايب بني إسرائيل, المنافية لكمال المناقضة للهداية. فربما توهم متوهم, أن هذا يعم جميعهم, فذكر تعالى, أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
✏️{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [١٦٠]
" وَقَطَّعْنَاهُمُ : قسمناهم " اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ": اثنتي عشرة قبيلة, متعارفة, متوالفة, كل بني رجل من أولاد يعقوب, قبيلة.
" وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ": طلبوا منه أن يدعو اللّه تعالى, أن يسقيهم ما يشربون منه, وتشرب منه مواشيهم. وذلك لأنهم - واللّه أعلم - في محل قليل الماء. فأوحى اللّه لموسى, إجابة لطلبتهم " أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ " يحتمل أنه حجر معين. ويحتمل أنه اسم جنس, يشمل أي حجر كان. فضربه " فَانْبَجَسَتْ ": انفجرت من ذلك الحجر " اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا " جارية سارحة. " قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ": قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة,
وجعل لكل منهم عينا, فعلموها, واطمأنوا, واستراحوا من التعب والمزاحمة, وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم.
" وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ " فكن يسترهم من حر الشمس. " وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ " وهو الحلوى. " وَالسَّلْوَى " وهو لحم طير, من أحسن أنواع الطيور, وألذها.
فجمع اللّه لهم, بين الظلال, والشراب, والطعام الطيب, من الحلوى واللحوم, على وجه الراحة والطمأنينة. وقيل لهم: " كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا " حين لم يشكروا اللّه, ولم يقوموا بما أوجب اللّه عليهم. " وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " حيث فوتوها كل خير, وعرضوها للشر والنقمة, وهذا كان مدة لبثهم في التيه.
✏️{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [١٦١]
" وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ": ادخلوها لتكون وطنا لكم ومسكنا, وهي " إيلياء " " وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ ": قرية كانت كثيرة الأشجار, غزيرة الثمار, رغيدة العيش, فلذلك أمرهم اللّه أن يأكلوا منها حيث شاءوا.
" وَقُولُوا " حين تدخلون الباب: " حِطَّةٌ ": احطط عنا خطايانا, واعف عنا. " وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ": خاضعين لربكم, مستكينين لعزته, شاكرين لنعمته. فأمرهم بالخضوع, وسؤال المغفرة, ووعدهم على ذلك, مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال: " نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ " من خير الدنيا والآخرة. فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهي, بل خالفوا.
✏️{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ [١٦٢]
" فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ": عصوا اللّه واستهانوا بأمره " قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ " فقالوا, بدل طلب المغفرة, وقولهم " حطة " , " حبة في شعيرة " .
وإذا بدلوا القول - مع يسره وسهولته - فتبديلهم للفعل من باب أولى. ولهذا دخلوا يزحفون على وبدلوا نعمة الله عز وجل
. " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ " حين خالفوا أمر اللّه وعصوه " رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ ": عذابا شديدا, إما الطاعون وإما غيره, من العقوبات السماوية.
وما ظلمهم اللّه بعقابه, وإنما كان ذلك " بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ
✏️{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [١٦٣]
" .
" وَاسْأَلْهُمْ ": اسأل بني إسرائيل " عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ": على ساحله, في حال تعديهم وعقاب اللّه إياهم. " إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ " وكان اللّه تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا, فابتلاهم اللّه, وامتحنهم.
فكانت " تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ": كثيرة طافية على وجه البحر. " وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ": إذا ذهب يوم السبت " لَا تَأْتِيهِمْ ": تذهب في البحر, فلا يرون منها شيئا " كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ "
. ففسقهم, هو الذي أوجب أن يبتليهم اللّه, وأن تكون لهم هذه المحنة. وإلا, فلو لم يفسقوا, لعافاهم اللّه, ولما عرضهم للبلاء والشر. فتحيلوا على الصيد, فكانوا يحفرون لها حفرا, وينصبون لها الشباك. فإذا جاءت يوم السبت, ووقعت في تلك الحفر والشباك, لم يأخذوها في ذلك اليوم. فإذا جاء يوم الأحد, أخذوها, وكثر فيهم ذلك,
وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون "
وانقسموا ثلاث فرق. معظمهم, اعتدوا وتجرأوا, وأعلنوا بذلك. وفرقة أعلنت بنهيهم, والإنكار عليهم. وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم,
✏️{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [١٦٤]
ونهيهم لهم وقالوا: " لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا " كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه, ولم يصغ للنصيح, بل استمر على اعتدائه وطغيانه, فإنه لابد أن يعاقبهم اللّه, إما بهلاك, أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم
مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ": لنعذر فيهم. " وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ": يتركون ما هم فيه من المعصية, فلا نيأس من هدايتهم, فربما نجح فيهم الوعظ, وأثر فيهم اللوم.
📌وهذا هو المقصود الأعظم, من إنكار
المنكر, ليكون معذرة, وإقامة حجة على المأمور المنهي, ولعل اللّه أن يهديه, فيعمل بمقتضى ذلك الأمر, والنهي.
✏️{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [١٦٥]
"
" فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ": تركوا ما ذكروا به, واستمروا على غيهم واعتدائهم. " أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ " وهكذا سنة اللّه في عباده, أن العقوبة إذا نزلت, نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
" وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا " وهم الذين
اعتدوا في السبت " بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ": شديد " بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ "
. 📌وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين " لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ " . فاختلف المفسرون في نجاتهم, وهلاكهم. والظاهر, أنهم كانوا من الناجين, لأن اللّه خص الهلاك بالظالمين, وهو لم يذكر, أنهم ظالمون. فدل على أن العقوبة, خاصة بالمعتدين في السبت. ولأن الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, فرض كفاية. إذا قام به البعض, سقط عن الآخرين, فاكتفوا بإنكار أولئك.
ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم " لِمَ تَعِظُونَ
قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا " فأبدوا من غضبهم عليهم, ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة, لفعلهم, وأن اللّه سيعاقبهم أشد العقوبة
✏️{فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [١٦٦]
" فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ": قسوا فلم يلينوا, ولا اتعظوا. " قُلْنَا لَهُمْ " قولا قدريا, " كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ " فانقلبوا بإذن اللّه قردة, وأبعدهم اللّه من رحمته.
ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي
منهم فقال:
✏️{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [١٦٧]
" وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ": أعلم إعلاما, صريحا. " لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ": يهينهم, ويذلهم. " إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ " لمن عصاه, حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا.
" وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ " لمن تاب إليه وأناب, يغفر له الذنوب, ويستر عليه العيوب, ويرحمه, بأن يتقبل منه الطاعات, ويثيبه عليها بأنواع المثوبات. وقد فعل اللّه بهم ما وعدهم به, فلا يزالون في ذل وإهانة, تحت حكم غيرهم, لا تقوم لهم راية, ولا ينصر لهم عَلَمٌ
✏️{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[الجزء: ٩ | الأعراف ٧ | الآية: ١٦٨]
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ": فرقناهم ومزقناهم في الأرض, بعد ما كانوا مجتمعين. " مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ " القائمون بحقوق اللّه, وحقوق عباده.
" وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ ": دون الصلاح, إما
مقتصدون, وإما الظالمون لأنفسهم. " وَبَلَوْنَاهُمْ " على عادتنا وسنتنا, " بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ": باليسر والعسر. " لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " عما هم عليه مقيمون, من الردى, ويراجعون ما خلقوا له من الهدى, فلم يزالوا بين صالح, وطالح, ومقتصد.
✏️{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [١٦٩]
" فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ " زاد شرهم " وَرِثُوا " بعدهم " الْكِتَابُ " وصار المرجع فيه إليهم, وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم, وتبذل لهم الأموال, ويحكموا, بغير الحق, وفشت فيهم الرشوة.
" يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ " مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: " سَيُغْفَرُ لَنَا " وهذا قول خال من الحقيقة, فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة. فلو كان ذلك, لندموا على ما فعلوا, وعزموا على أن لا يعودوا.
ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر, ورشوة أخرى - يأخذونه. فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا, واستبدلوا الذي هو أدنى, بالذي هو خير. قال اللّه تعالى - في الإنكار عليهم, وبيان جراءتهم-:
" أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ " . فما بالهم يقولون عليه غير الحق, اتباعا لأهوائهم, وميلا مع مطامعهم. والحال أنهم قد " وَدَرَسُوا مَا فِيهِ " فليس عليهم فيه إشكال, بل قد أتوا أمرهم متعمدين, وكانوا في أمرهم مستبصرين.
📌 وهذا أعظم للذنب, وأشد للوم, وأشنع للعقوبة. وهذا من نقص عقولهم, وسفاهة رأيهم, بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة,
ولهذا قال: " وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " ما حرم اللّه عليهم, من المآكل التي تصاب, وتؤكل رشوة على الحكم, بغير ما أنزل اللّه, وغير ذلك من أنواع المحرمات.
" أَفَلَا تَعْقِلُونَ ": أفلا تكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره, وما ينبغي الإيثار عليه, وما هو أولى بالسعي إليه, والتقديم له على غيره. فخاصية العقل, النظر للعواقب. وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع, يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي؟!!.
✏️{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [١٧٠]
وإنما العقلاء حقيقة, من وصفهم اللّه بقوله " وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ ": يتمسكون به علما وعملا, فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار, التي علمها, أشرف العلوم.
ويعلمون بما فيها من الأوامر, التي هي
قرة العيون, وسرور القلوب, وأفراح الأرواح, وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات, إقامة الصلاة, ظاهرا وباطنا. ولهذا خصها بالذكر لفضلها, وشرفها, وكونها ميزان الإيمان. وإقامتها, داعية لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كله إصلاحا
قال تعالى: " إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ " في أقوالهم وأعمالهم, ونياتهم, مصلحين, لأنفسهم, ولغيرهم.
📌
وهذه الآية, وما أشبهها, دلت على أن اللّه
بعث رسله, عليهم الصلاة والسلام, بالصلاح لا بالفساد, وبالمنافع لا بالمضار, وأنهم بعثوا, بصلاح الدارين, فكل من كان أصلح, كان أقرب إلى اتباعهم.
✨نكمل اللقاء القادم بإذن الله 🌱
اللهم صلّ وسلّم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم
الدين ⚡️
سبحانك اللهم وبحمدك،
أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك🌷
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق